طريق هجرة قاتل.. عشرات الأرواح تُزهق قبالة موريتانيا بحثاً عن الحلم الأوروبي
طريق هجرة قاتل.. عشرات الأرواح تُزهق قبالة موريتانيا بحثاً عن الحلم الأوروبي
مأساة جديدة على سواحل موريتانيا أعادت إلى الواجهة واحدة من أبشع نتائج الهجرة غير النظامية عبر المحيط الأطلسي، حيث انقلب قارب صغير قبالة ساحل منطقة محيجرات بعد انحداره من غامبيا قبل نحو أسبوع، وعلى متنه نحو 160 شخصاً أغلبهم من غامبيا والسنغال.
وأعلنت سلطات خفر السواحل الموريتاني الجمعة أن الأمواج جرفت 49 جثة إلى الشاطئ، وأنه أنقذ 17 ناجياًفقط، فيما لا يزال نحو مئة شخص في عداد المفقودين، في حصيلة أولية مرعبة تعكس هشاشة هذا المسار البحري وخطورته الشديدة.
تفاصيل الحادث، كما روى قائد خفر السواحل، تظهر عنصرين متكررين في كثير من مآسي الهجرة البحرية: ازدحام القوارب وضعف تجهيزها، ورد فعل ركاب يائس عندما تلوح لهم أضواء اليابسة. وهو ما أدى، وفق الرواية الرسمية، إلى تدافع نحو جانب واحد من القارب فانقلب.
تتكرر هذه الصورة في حوادث سابقة قرب السواحل الموريتانية والسنغالية، لكن ما يميز الأزمة الحالية هو تزايد وتيرة المحاولات عبر "الطريق الأطلسي" نحو جزر الكناري وارتفاع أعداد الوافدين المسجلين في السنوات الأخيرة، مقابل استمرار الفجوات في قدرات البحث والإنقاذ والتعامل مع الكوارث البحرية.
منصة خطرة صوب أوروبا
لا تقتصر أهمية الحادث على أرقامه الصادمة، فهو جزء من ظاهرة أوسع تتعلق بواحد من أخطر مسارات الهجرة في العالم، وتوثيق الوفيات والاختفاءات خلال محاولات الوصول إلى أوروبا عبر هذه المسارات من مهام منظمة الهجرة الدولية التي تُعدّ مصدراً أساسياً للأرقام التحليلية، حيث تشير قواعد بياناتها إلى آلاف الوفيات والاختفاءات خلال الأعوام الأخيرة، ما يجسد أن البحر لم يعد مجرد حاجز جغرافي بل صار مقبرة لمئات بل آلاف الآمال.
تقديرات خاصة بمسار الأطلسي بين غرب إفريقيا والكناري تفيد بأن عدد القتلى والمفقودين ارتفع في 2024 إلى أكثر من ألف شخص موثّقين على هذا الطريق وفق إحصاءات الجهات المختصة، رغم تباين أرقام منظمات مختلفة تعتقد أن الحصيلة الحقيقية أعلى بكثير، وهذا التناقض بين قواعد بيانات رسمية ومنظمات مدنية يرجع جزئياً إلى صعوبات توثيق الحوادث في عرض المحيط وما يتبعها من عمليات طمر أو جرف للجثث وغياب شهود للحوادث.
في المقابل، سجّلت إحصاءات وصولات جزر الكناري رقماً قياسياً في 2024 حيث وصل عشرات الآلاف من المهاجرين عبر هذا المسار، وتحدثت أرقام رسمية إسبانية ومنشورات أممية عن نحو 46 ألف وصول إلى الأرخبيل خلال العام 2024، ما يفسر الضغط المتزايد على طرق المراقبة البحرية وشبكات الإنقاذ والإيواء. وهذا الارتفاع في الحركة يجعل من بعض دول الساحل، ولا سيما موريتانيا، مساراً محورياً لعبور القوارب الصغيرة، وهو ما يضمن بقاء خطر حوادث مماثلة على رأس الأولويات الإنسانية والأمنية.
من الاستجابة إلى المساءلة
لا يمكن قراءة هذه المأساة خارج سياق سياسات إدارة الحدود والاتفاقيات الثنائية والإقليمية، فقد اتهمت تقارير حقوقية حديثة السلطات في موريتانيا بارتكاب ممارسات قاسية ضد المهاجرين، وربطت تلك الممارسات جزئياً ببرامج تمويل ودعم أوروبي لمكافحة شبكات التهريب وتقليل مغادرات السواحل الغربية لإفريقيا.
كما وثقت تقارير منظمات حقوقية حالات احتجاز قاسٍ، طرد جماعي، وانتهاكات لحقوق أساسية، واعتبرت أن بعض اتفاقيات التعاون لا تراعي الضمانات الكافية لحماية اللاجئين والمهاجرين.
مثل هذه المعطيات تضع مسؤولية مزدوجة بأنه على دول العبور التوسع في حماية الحقوق، وعلى الشركاء الدوليين ربط التعاون بشرط احترام حقوق الإنسان، وفق منظمة هيومن رايتس ووتش.
إنقاذ محدود وعلاج طارئ
الأرقام والوقائع تشيران إلى هشاشة قدرات الاستجابة، حيث تعاني فرق البحث والإنقاذ الساحلية في عدد من دول الساحل والتي لا تتوفر لها دائماً السفن الصغيرة أو محطات الإنذار الكافية أو تمويل الصيانة المطلوب.
كما يبرز نقص في آليات استقبال وإغاثة الناجين وأُسر الضحايا، تعرّف مَراكز الاستقبال على نطاق ضيق، وغالباً ما يواجه الناجون احتجازاً إدارياً أو طرداً سريعاً بدلاً من منحهم الحماية أو المساعدة الإنسانية الأساسية.
ماذا تقول المعايير الدولية؟.. بشكل عام، تضمن قواعد القانون البحري وحقوق اللاجئين وجوب إنقاذ من تقطعت به السبل في البحر وعدم إرجاع أشخاص إلى أوضاع قد تُعرض حياتهم للخطر، لكن التطبيق في الميدان يتعثّر أمام سياسات الإغلاق الخارجي للحدود والضغوط السياسية المحلية والإقليمية.
حلول جذرية للأزمة
المعالجة الواقعية للأزمة لا تقتصر على تعزيز قدرات الإنقاذ وحدها، بل تشمل أيضاً العمل على المعالجات التاليـة:
أولاً، افتتاح قنوات هجرة قانونية وتوسيع فرص اللجوء والإقامة المؤقتة لخفض الطلب على الشبكات الميهرية.
ثانياً، الاستثمار في تنمية اقتصادية محلية في بلدان انطلاق المهاجرين ومعالجة الفقر والبطالة، فهما من العوامـل الدافعة الرئيسية.
ثالثاً، ربط التعاون الأمني والمالي بين دول الساحل والاتحاد الأوروبي بشروط شفافة واضحة تحترم حقوق الإنسان وتضع آليات مستقلة للرقابة والمحاسبة.
وأخيراً، تحسين رصد وتوثيق الحوادث عبر دعم قواعد بيانات دولية مثل مشروع النازحين المفقودين التابع لمنظمة الهجرة الدولية لتقليل الفوارق في تقدير الضحايا وتمكين استجابة أسرع.